الأحد، 12 مارس، 2017

نهاية أسطورة 7000 سنة حضارة

ساسة بوست| 12 أبريل 2016

نهاية أسطورة الـ7000 سنة حضارة باتت وشيكة، اللهم في وجدان المصريين الذين لا يجدون غير تلك الأحجار ليفخروا بها أمام العالم، تلك الأحجار التي ربطنا بها فخرنا وتباهينا وأرزاقنا، اقتربت من خط النهاية.

المشكلة أننا نعتقد أن الرزق دائمًا في مصر مرتبط بالسياحة، والسياحة عندنا لا تتعدى المعابد والأهرامات والمتاحف والتماثيل الفرعونية القديمة، ذلك الوهم الخادع الذي ضُلّلنا به سنين حتى لا نسأل أيًّا من المسئولين أو أيًّا من الحكومات المجيدة عن إنجازاتها وخدماتها للمواطن، وبالتالي بُني الاقتصاد المصري على السياحة وبالضرورة ارتبط بالدولار، وأصبح المصريون أسرى الزائر الأجنبي وبقشيشه!.

وتم تعظيم وتضخيم الاهتمام بالسياحة الفرعونية لأن مكسبها هينًا لا تعب فيه، مجرد زائر لآثار قديمة قائمة، على حساب الزراعة والصناعة والتجارة عناصر أي اقتصاد قوي حر.

لكن تلك الحضارة الآن وبريقها في طريقها للأفول، أو بمعنى واقعي العزوف عنه، فقد كانت لصدمة بناء تمثال لأبي الهول في الصين آثار واضحة وجليّة على مصر، فسارعت بالشجب والاستنكار وطلبت وقف البناء لما له من ضرر على السياحة المصرية.

وبالفعل فإن الهرم المماثل «المصنوع» من الخرسانة، والذي لم يمر عليه سبعة آلاف عام اجتذب ملايين السائحين في مكانه بمنتزه شمال الصين.
هناك ستدخل وترى أبا الهول بنفس مقاييس التمثال الأصلي في مصر لكنه أجمل، وستجد أنه قابع بين نسخ كثيرة لآثار عالمية خالدة أخرى، ولن تتكلف سوى دولار واحد، غير المعاملة الراقية.

بالطبع لأن مصر تحب الكسب الهادئ السهل دخلت في صراع مع الصين لإزالة النسخة المصنوعة وتقدمت بشكوى لليونسكو، بينما الصين قد ربحت جدًّا من زياراته، غير تعاقدات على برامج تليفزيونية، وأفلام سينمائية ستستغل وجود أبي الهول في تصويرها.

ولكن ليست هذه هي الأزمة، فعمق المشكلة الاقتصادية تتمثل في ركون الدولة للسياحة بحيث بدت عبر أجيال عديدة «كجابية» وليست مستثمرة، منتظرة دائمًا ما تسقطه التماثيل لا ما تنبته الأرض، وما تفيض به المسلات لا ما تنتجه المصانع.
إننا نخدع أنفسنا بالاستمرار في هذه المهزلة، فالمقارنة بين دولتين كمصر وفرنسا من حيث الآثار الموجودة وتاريخيتها، وعدد السياح الزائرين بينهما يفوق الخيال، فليس أقدم من آثارنا الفرعونية، وليس أكثر من عدد الزوار لفرنسا حيث يزيد العدد عن ثمانين مليون سائح سنويًّا.

والأمر ليس صعبًا لكي نفهمه، فإن السائح الذي عزف عن زيارته للآثار المصرية القديمة الأصلية له عذره، فمصر لم توفر له المعاملة اللائقة كضيف من حيث الطبقة المحتكة به مباشرة، فإننا نجد النصب والاحتيال والسرقة متلازمات لمهنة السياحة عندنا، كذلك لم توفر له طرقًا هادئة لا تهد الجسد أثناء الانتقال، ولم توفر له مرورًا منظمًا آدميًّا، ولم توفر له ما يقضي فيه بقية يومه بعد زيارته للآثار الفرعونية.
لكن السائح في فرنسا يجد الأمن والأمان، يجد «الكافيهات» العالمية الراقية، يجد الطرق النظيفة، يجد الفنون والمسارح، يجد بيوت الأزياء العالمية، وغيره الكثير غير ذي صلة بآثار الغابرين.

فإذا فشلنا أن نكون كفرنسا فلنكن كالإمارات:
إن حالة الإمارات  شبيهة بنا في بعض جوانبها، منها أنها ظلت فترات زمنية طويلة تعتمد اعتمادًا مباشرًا بنسبة وصلت إلى 90% على النفط الذي هو هبة، مورد طبيعي، لم تتدخل في وجوده يد إماراتية، كالآثار المصرية التي مضت عليها ألوف السنين دون إضافة، لكن الإمارات -وإن كانت مصنفة عالميًّا من حيث الاحتياطي النفطي، وهي في المرتبة الثانية في أوبك- أخذت مؤخرًا بسياسة جديدة تعتمد على تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط من خلال المشاريع التنموية المستدامة، والتي أعلن عنها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم متمثلة في إضافة قطاعات اقتصادية جديدة لاقتصاد الإمارات بعيدًا عن النفط وتطوير كفاءة القطاعات الحالية، ليكون الهدف النهائي هو اقتصاد معتمد على التنمية والمشروعات الوطنية، وليس النفط.

فـ70% من اقتصاد الإمارات الآن غير معتمد على النفط، وستحتفل الإمارات قريبًا كما قال الشيخ محمد بن راشد بآخر برميل ستصدره من النفط.
فهل من الممكن أن تتخذ مصر تلك الخطوة، وأن تبدأ في بناء اقتصاد خالٍ من السياحة والتسول على أبواب المعابد والمتاحف!

إنني أتساءل دائمًا: كيف لو كانت مصر كأي دولة بلا آثار ومعابد وأهرامات؟
تلك الفرضية التي يجب أن ننطلق منها دون الاعتماد على الأموات في رزق الأحياء، وأن ننظر للغد وتحقيق التنمية المستدامة للأجيال القادمة، وأن نبدأ اقتصاد ما بعد الآثار كما فعلتها الإمارات بدون بترول.

فالحاجة تشتد إلى تنويع مصادر الدخل إذا علمنا أن العلاقات بين الدول تسوء وتتغير في ليلة وضحاها، وتكون مصر مهددة من أي دولة بمنع رعاياها من السفر إلى مصر، وكذلك الأزمات المالية التي يتعرض لها العالم كل فترة بصورة مفاجئة ولا تخلو منها دولة.

السبت، 11 مارس، 2017

"أيام مبارك" كبديل

إضاءات| 2016/11/24 


لم يمضِ على ثورة يناير بضعة أشهر حتى همس البعض في 2012 مترحما على نظام مبارك لما رأى وقتها من ضيق معيشي طبيعي كأثر جانبي للثورة، ومع مرور الوقت أكثر ارتفع ذلك الهمس وتردد بنبرة يملؤها التمني والرجاء أن لو استمرت تلك الأيام على ما كان فيها، حتى أصبحت اليوم «ولا يوم من أيامك يا مبارك» كلمة اعتيادية أو مثلا سائرا بين الناس، وأن البعض لم تعد لديه مشكلة في رجوع النظام بأشكاله ورموزه وسياساته كبديل للفترة السياسية الراهنة، دون الالتفات لضرورة إصلاح الفساد والبحث في أسبابه وأي الطرق أوصلت إلى تمني أيام فاسدة امتدت في عمر الزمن ثلاثين عاما.
ولكن السؤال الطبيعي: هل نسي المصريون أيام مبارك وما كان فيها؟

بالطبع الإجابة على السؤال لن تفيد الواقع البائس الذي دفعهم لتمني ذلك، ولكن هذه النوستالجيا ليست لأسباب اقتصادية واجتماعية وسياسية فحسب، فإن الضيق المعيشي والبطالة رفيقان لأيام مبارك ولا شك وإن كان أقل من الآن بكثير، لكن الحنين المفرط إليه يضع بضع دوائر حمراء حول نفسية الحالم المتمني الراجي.
وهذه «النوستالجيا» ليست خاصة بالشعب المصري أو العربي عموما من الحنين إلى الألم الأقل، والصعاب الأضعف، والشظف الذي يمكن التعايش معه أطول فترة ممكنة من عمر الشهيق والزفير المتردد داخله، ولكنه منتشر في كثير من الشعوب والأمم، إذ كلما طرأ على الحكم أو الإدارة نظام شديد نزع بعض الشعب إلى الأقل شدة، والأقل ظلما.

كذلك يُسرع البعض الذي لم يتأقلم مع الفساد الجديد والشظف الجديد والمعاناة الجديدة إلى الحنين للمعاناة التي اعتادها وصاحبها وألفها، فهو قد خبر المعاناة القديمة وعرف حدودها وتكاليفها ومدى آلامها وكيفية مسايرتها، لكن الجديدة فهو بحاجة لوقت كي يتقبلها!.

الأمر ذاته تكرر في عدة مناطق في العالم، لكن أبرزها كان في بعض أقطار أوروبا الشرقية حيث نجد نوستالجيا حادة إزاء الماضي الشيوعي على ما كان يحمل بين طيات تاريخه من إجرام وقهر ودكتاتورية ولا إنسانية.
طرحت Urska Velikonja الأستاذة المساعدة بمدرسة القانون بجامعة إيموري الأمريكية، عدة مسوح على هذه المناطق والتي أظهرت حنينا حادا للماضي الشيوعي. «ففي 1999 اعتبر 50 في المائة من السلوفاك أن النظام الاشتراكي السالف أفضل من «الديمقراطية الراهنة»، وفي العام ذاته تبين أن 85 في المائة من الروس آسفون على سقوط الشيوعية والاتحاد السوفييتي، وفي 2004 تراجع المعدل إلى 74 في المائة.

وفي عام 2002 قال 56 في المائة من البولنديين في استطلاعات للرأي إن الحياة «في الماضي كانت أفضل»، وفي عام 1995 و2003 اعتبر 88 في المائة ثم 86 في المائة من السلوفانيين على التوالي أن الحياة في يوغسلافيا السابقة كانت «طيبة» و«طيبة جدا»، وفي تاريخ أقرب (2009) أعلن 72 في المائة من الهنغاريين، و62 في المائة من البلغار والأوكرانيين، و60 في المائة من الرومانيين، و45 في المائة من الروس، و42 في المائة من اللتوانيين والسلوفاك، و39 في المائة من التشيك، و35 في المائة من البولنديين أنهم يعيشون في حال أسوأ مما كانوا عليه أيام الشيوعية» [1].

فالمتتبع لفترة الحكم الشيوعي وانتشاره يدرك كم عانت تلك البلدان من النظام الإجرامي، لكن استطلاعات الرأي السالفة الذكر في رأي البعض ليست مفاجأة على ما تحمل بين ثناياها من مذهلات، فيذهب أحدهم معللا ذلك بأن تلك النتائج «تنبع من غياب إدارة نخبوية للذاكرة الاجتماعية، وغياب المعلومات والرؤى الفردية، وسقطات الذاكرة والتشويش العميق في الأفكار، والقيم، والرؤى».
لكن الطرح السابق يصف المشكلة دون الولوج لكنهها، فإن المشكلة على الحقيقة لها بعد نفسي يتعلق بالتكوين السيكولوجي للإنسان، فالرومان مثلا الذين يمتدحون الماضي الشيوعي هم أنفسهم الذين يعتقدون بنسبة 41 بالمائة أن النظام الشيوعي كان «إجراميا»، وبالتالي إذا ناقشت أحد الذين يعبث الحنين بصدورهم لعصر مبارك الآن عن جرائم النظام الممتدة بآثارها إلى وقتنا الحاضر ما أنكرها ومع ذلك لن تستطيع نزع اعتقاده بأنه كان عصرا حسنا.

وهذا يحيلنا بالضرورة إلى العامل النفسي والذي يعتبر ركنا هاما من أركان نوستالجيا شبه جماعية إزاء عصر مبارك، والذي يتمثل في العوامل أو المبادئ التي تحكم العمليات النفسية وترتبط بها ومنها مبدأ «إجبار التكرار» كما يقول فرويد:
أن هناك ثلاثة مبادئ تحكم العمليات النفسية وترتبط بينها، هي مبدأ اللذة – اللا لذة، ومبدأ الواقع، ثم مبدأ إجبار التكرار، وبمقتضى المبدأ الأول فإن كل إنسان يميل إلى تحقيق اللذة لنفسه من أي نشاط نفسي أو بدني، وأن يتجنب اللا لذة بمعنى الكدر والألم والتوتر، غير أن الأنا في تطوّره نحو النضج يتعلم أن يخضع لمبدأ الواقع؛ أي ما تقتضيه معايشته للناس، وما يفرضه عليه المجتمع وتمليه عليه التربية. وليس مبدأ الواقع هو فقط الذي ينحّي مبدأ اللذة، فإنما هناك حالات لا يفسرها إلا أن يكون هناك دافع غريزي في الإنسان يميل به إلى أن يكرر مواقفه وخبراته واختياراته القديمة حتى لو كانت مؤلمة، متناقضا مع مبدأ اللذة، ومن ذلك مثلا أن الأطفال يكررون في ألعابهم تمثيل مواقف لم يتحصل لهم منها إلا الخوف والقلق والألم، وقد يطلبون استعادة حكايات لها مثل ذلك الأثر، وبعض الناس يظهرون كما لو كان لديهم استعداد لارتكاب الحوادث فيتورطون في وقائع يتكرر لهم منها الأذى الذي سبق أن عانوه منها، وكأنهم لم يتعلموا الدرس. [2]
فأي يوم مثلا يريده المصريون من أيام مبارك؟
يوم أن شنق عبد الحميد شتا نفسه فوق الكوبري لأنه «غير لائق اجتماعيا» ومن ثمّ ليس له نصيب في وظائف الدولة العليا، أم يوم قتل الرجل أبناءه لأنه لا يستطيع إطعامهم، أم يوم عبارة السلام، أم يوم خالد سعيد، أم يوم كنيسة القديسين؟!
جمعني لقاء مع أحدهم وهو يتحدث بلهفة عن عصر مبارك، ويصرح أن مبارك رئيسه إلى الآن مهما حدث، ثم ختم قوله بالمثل السائر “ولا يوم من أيامك يا مبارك”، ولمّا ذكرته ببعض فساد عصره، قال: «على الأقل الواحد مكنش فاهم أي حاجة!».
صحيح أن هذا اللقاء قد مر عليه وقت ليس بالقصير، ولكن جملته توضح أصول النوستالجيا من زاوية غاية في الأهمية وهي الجهل بما كان يحدث، وما ألقته المعرفة من مسئولية شخصية على كاهل من أدرك الحقائق بلا تدليس ولا تشويش، وقديما قال المتنبي: «وذو العقل يشقى في النعيم بعقله، وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم».

وهذا ما دفع قطاعا عريضا من الناس إلى الابتعاد عن الأخبار، ومتابعة المستجدات السياسية، متحلين بروح المبالاة قدر الإمكان إذ لم يستطيعوا الرجوع لمدينة الجهل من جديد.

كيف نفهم فوز ترامب

 ساسة بوست| 10 نوفمبر 2016


بعد انتهاء الحملتين الانتخابيتين للمرشحين كلينتون وترامب، ووصول الأخير إلى البيت الأبيض باعتباره رئيسًا جديدًا للولايات المتحدة الأمريكية، رغم تصريحاته العنيفة والعنصرية أحيانًا واللاأخلاقية أحيانًا أخرى، كان يجب أن نتوقف قليلًا لنمعن النظر ونتفحص كيف تجري العملية الانتخابية الأمريكية.

فالذي يتحدث باستعلاء عن المكسيكيين، وينوه بمنع المسلمين من التواجد في أمريكا ومنعهم من دخولها، وسبه للنساء واعتبار أنهن لسن أكثر من آلات للجنس فحسب، ثم مغازلة ابنته جنسيًّا، وإساءته للدول العربية والسخرية منها، كل ذلك كفيل أن ينفيه خارج الصناديق، لكن ما حدث خلاف ذلك، وهو يطرح سؤالًا مهما، هل تتفق الجمعيات النسوية هناك على أن المرأة لا دور لها في الحياة سوى امتاع الرجل فحسب كما يرى ترامب، تلك النظرة التي طالما صورت بها هوليود المرأة العربية في أفلامها، وهل ترى جماعات حقوق الإنسان ما يراه رئيس أمريكا من احتقار الأمريكان السود، وغلق الدولة في وجوه المسلمين؟

بالطبع سنجد تتبع الإجابات عملية مرهقة تستلزم وقتًا كثيرًا ويستأهل بحثًا على حدة أو مجموعة مقالات مطولة، لكن على أية حال فذلك يشير إلى أن اتجاهات الأمريكان ورؤاهم في اختيار الرئيس تختلف تمام الاختلاف عمّا نتوهمه من خلال ما تصدره لنا عدسات هوليود، تلك الاهتمامات التى تجعلهم يتغاضون عن عنصرية الرجل وحماقته وازدرائه للنساء والاستخفاف بالشركاء الدوليين في المنطقة العربية.

ثم هل يمكننا أن نشك في نزاهة المواطن الأمريكي، ونشك أيضا في العملية الديمقراطية الأمريكية ونتهمها بالنقص المعيب مهما أحرزت تقدما في مؤشر «فريدوم هاوس»؟

نعم، فبعد انتهاء العملية الأخيرة وجدنا الكثير من التابوهات الجامدة التي ينبهر بها أغلب الساسة العرب والإعلاميون تكسّرت بعنف على صعيد صلد، وأن الديمقراطية الأمريكية متأخرة عن الكثير من الديمقراطيات في العالم بشكل معيب هو الذي سمح بوصول أحمق أمريكا لسدة الحكم.

ومن هنا تبرز طبيعة الآلية التى تحكم العملية الانتخابية، فليس المواطن الأمريكي هو محور العملية، وليس لصوته القوة الفاعلة أو القيمة التى يمكن أن ينحني لها العالم احترامًا باعتباره تعبيرًا حادًّا عن الديمقراطية والتمتع بالحقوق السياسية، لكن العنصر الأهم هو سيادة منطق الرأسمالية للدولة وعدم المساس به، وبوضوح نجد أن الصوت الانتخابي الأمريكي يأتي عاملًا مساعدًا في العملية السياسية عمومًا والانتخاب الرئاسي خصوصًا بين عناصر المعادلة السياسية.

ولفهم هذه النقطة أكثر نعرض قول «كولن مويرز»: المدافعون والمعتذرون عن الإمبريالية الجديدة مهما قلنا عن الطبيعة الإيدلوجية لمشروعهم، منخرطون أيضا في جدل مع بعضهم بعضا حول التوازن المناسب بين الجوانب العسكرية والاقتصادية للإمبراطورية. فالمسألة المهمة من منظورهم هي العثور على أفضل إستراتيجية لتأمين المصالح الرأسمالية وطنيًّا وإقليميًّا.

وان كان ذلك كذلك، فمنطقيا أن يردف «مويرز» في موضع آخر: يجب احتواء القوى الديمقراطية بعناية بحيث لا تهدد حكم رأس المال.

والموضع هنا ليس قاصرًا على فوز ترامب، بل على العملية السياسية الأمريكية ككل، فإن منطق سيادة رأس المال أدى لعدة مظاهر في العملية السياسية هناك تقوض من قيم الديمقراطية بل ترمي بها رأسا في المحيط، وذلك على خلاف ادعاء أمريكا في خطابها لدول الشرق الأوسط أنها تدعو للديمقراطية، بل يكذّب ذلك فريد زكريا أن على أمريكا أن تصدق مع نفسها بأنها تدعو إلى ليبرالية دستورية.

فمن تلك المظاهر دخول البنوك والشركات صراحة في تمويل العمليات الانتخابية حسب مصالحها الخاصة، فإن كان المال السياسي يلعب دورًا محوريًّا في أي عملية سياسية في أي مكان في العالم ثم يصف العملية بعدم النزاهة، إلا أن الأمريكان يتعاملون مع العملية السياسية من منطق البيزنس، لذا لما قام ماكين بصحبة السيناتور راسل فاينجولد في 2001م بوضع قانون يحد من سيطرة رأس المال على الانتخابات الأمريكية قوبل بهجوم عنيف من قادة الحزب الجمهوري والمعروف في أمريكا على أنه حزب الأثرياء.

والمواطنون الأمريكان ليسوا على قدم المساواة في الحق الانتخابي، فالفقراء يصوتون بأعداد أقل من الأغنياء، والأقل تعليمًا يصوتون بأعداد أقل من الأكثر تعليمًا، والأمريكان من أصل أفريقي والهسبان يصوتون بأعداد أقل من القوقازيين.
كل هذه العراقيل أمام الممارسة السياسية أدت إلى مشاركة ما لا يزيد عن 130 مليون أمريكي من أصل ٣١٨٫٩ في إحصاء 2014.

إضافة إلى ذلك فالتصويت ليس إجباريا في الولايات المتحدة الأمريكية كمختلف الديمقراطيات حول العالم، ثم إن أيام الانتخابات لا تكون بالضرورة عطلة رسمية ليشارك المواطن بصوته.

هذه المظاهر وغيرها تؤدي بنا إلى نتيجة هامة، وهي أن الصوت الانتخابي ليس بالأهمية الكبيرة في الانتخابات الأمريكية، بل إن المؤسسين للولايات المتحدة ألزموا الأمريكان بوجود وصاية سياسية عليهم، حيث يكون الفاعل الأخير والأهم في اختيار رئيس البلاد ليس بالأكثرية الشعبية، بل أكثرية المجمع الانتخابي البالغ 538 ممثلا عن ولايات الدولة، ما يشبه إلى حد كبير «مجلس البولا» في اليونان القديمة والمعروف أيضا بمجلس الخمسمائة.

لذا لم يكن غريبًا أن تخفق كلينتون رغم تقدمها في كل استطلاعات الرأي، وليس غريبًا أن يفوز ترامب رغم حماقته وغبائه الشديدين، فكثيرا ما وصل رؤساء إلى البيت الأبيض بأصوات المجمع الانتخابي رغم خسارتهم في صناديق الاقتراع وكان بوش الابن آخرهم.

وربما كان الملياردير الرأسمالي ترامب هو الجدير بالحفاظ على هوية وأيدلوجية الدولة الرأسمالية في المرحلة الحالية التى يشاهد فيها العالم عودة بطيئة نسبيا للصراع القديم بين الاشتراكية والرأسمالية بين روسيا وأمريكا.

الاثنين، 27 فبراير، 2017

معركة المثقف والسياسي

لوحة لـ«تشارلز جابريل لمونير»، تمثل قراءة لمأساة ڤولتير: «يتيم الصين» (1755م)، في صالون مدام جيوفرين.

العداء بين المثقف والسياسي قديم أزلي، لا تخطئه في مرحلة من مراحل التاريخ الثوري أو حقب التنوير، فنحن نؤمن أن القلم أشد بأسًا من فوهة البندقية، أما السياسي فدستوره يتلخص في قول جوبلز: كلما سمعت كلمة مثقف تحسست مسدسي.

ذلك لأننا نناضل بسن القلم الذي نشعر بغربته أحيانًا في عالم غير متزن ونشعر ببعض غربته فينا؛ لذا سرعان ما ينهزم لكنه أيضًا سرعان ما يقوم ولا تنضب طاقته.
أما ندّنا فمبادئه أوهن من بيت العنكبوت، وانتصاره زيف ووهم؛ لأن صرير القلم أشد صممًا من صوت المدافع، ووقع كلماته أعنف من سقوط القنابل على الأرض المتهرئة.

ويظل الصراع بين المثقف والسياسي بقاء الإنسان على البسيطة، والاتفاق بينهما مستحيل، فلا يتفقان إلا عرفت أن فسادًا ما يستتر بين كفيهما المتصافحين. وما ذلك إلا لاختلاف الأهداف وتباين الرؤى وتضاد التوجهات.

والسياسي لا يُشترط أن يكون رجلاً ينشغل بالرأي العام، أو كاتب فذ، فإن السياسي إما أن يتمثل في نفاق بيّن لرجل مداهن للسلطة يدلس على العامة سياستها ويزيّن في أعينهم فسادها ويعطي التبرير والمسوغات لتلك السياسات الضارة، وإما أن يكون حزبًا مواليًا للسلطة على حساب مبادئه وأفكاره لاستمرار وجوده، وإما أن يكون السلطة ذاتها، وما السابق عليها إلا أذرع لها.

فالسياسي الذي يصل للسلطة ولم تُنجبه الأرض ولم يصل به الشعب إلى القصر إن تملّك مقاليد الأمور ودفة الحكم في بلد ولّى أشرعته تجاه أطماعه وطموحاته الشخصية، راسمًا عليها جمجمة وعظمتين متقاطعتين يخيف بهما الشعب إذا انتقد أو احتج.

وليس للشعب إن تبيّن فساد السياسي وكذبه إن خرج على السلطة أقل من الاعتقال أو الرمي بالرصاص في الميادين.

وهنا يعلن المثقف الحر عداءه سافرًا  بلا خجل أو حياء، ويتصدى لفساده الملون الزاهي، ويستخرج السم من قطرات عسله، فيطلق عليه السياسي أفاعيه فيتهمونه بالخيانة وبيع الوطن. حتى بعض الشعب المخدوع الذي ثار لأجله المثقف يكون أقرب السهام إليه وأسبقها إلى صدره.

والسياسي الذي يصل للحكم عنوة لا يعرف للحرية معنى ولا للديمقراطية قيمة، فهما ألد أعدائه طوال بقائه، ويحارب كل من يناصرهما وفي المقدمة المثقف الذي يؤمن بتلك القيم الغائبة عن قصور الرئاسة حولنا، وما ذلك إلا لأنه لو وُجِدت الحرية لما وصل إلى الحكم، ولو وُجِدت الديمقراطية لما استمر فيه.

لذا يعلن الحاكم عداءه سافرًا على كل المنافذ التي تنشر الوعي بين الشعب؛ فإما تواليه وتسبح بحمده، وإلا يغلقها ويشرد أهلها أو يعتقلهم، ولا ينزعج من اعتقال الأقلام ولا يهُزُّه غلق الصحف.

ومثل هذا السياسي الذي يصل للحكم بالتزوير أو بانقلاب عسكري يعمل دائمًا على تجهيل الشعب، وسد منافذ المعرفة وتشويه من ينطق بحقائق الأمور ويصف طبائعها دون تهويل سواء كانت أمجاد الحاكم وسياساته الزائفة أو المشاكل المعترضة للوطن.
فيظل السياسي على هذا النمط من كبت الحريات وتكميم الأفواه وسد منافذ المعرفة، ثم تعظيم مثل أو كيان أو مؤسسة في عيون الناس حتى يُرى ويُحسب أنه من الخيانة نقده أو الاعتراض عليه. وفي هذا الوقت يبرز المثقف بدوره فيناهض هذا النهج التضليلي، ويبين أن كل الكيانات في الدولة خاضعة للسلطة الحاكمة ولا تخضع السلطة الحاكمة والدولة جميعها تحت إمرة كيان أو مؤسسة أو فرد، مع وجوب أن السلطة لا تأتي عنوة أو قسرًا، ولكنها تنبت في صناديق الاقتراع وتتشكل برضاء الجماهير، فيكون الشعب هو مصدر السلطات والمانح لها.

لكن الحاكم يسير على ما يشبه القاعدة: كي تبقي لك السلطة ويستمر لك الحكم فعليك أن تُبقي الشعب داخل كهف أفلاطون، وهذا الكهف التخيلي لأفلاطون يصف معنى غاية في الوضوح لعمل السلطة في تغييب الجماهير حتى تظل ساكنة بلا حركة أو صوت.

قال في الجمهورية الفاضلة: عامة الناس مسجونون في كهف مظلم منذ الصغر ولقد قيدوا في هذا الكهف منذ ولادتهم وأداروا وجوههم إلى شاشة على جدار الكهف تنعكس عليها ظلال ما هو خارج الكهف من ضوء ينير عالمًا من الناس الذين يسيرون حاملين عرائس خشبية على أكتافهم.

ولمّا كان هؤلاء المسجونون لا يستطيعون أن يلتفتوا وراءهم، فإنهم يظنون الظلال التي يرونها على جدار الكهف حقائق ويتوهمون ما يسمعونه في خارج الكهف من أصوات أنها صادرة من هذه الأشباح، فإذا تمكن أحدهم من أن يخرج من الكهف ليرى الحقائق في الخارج وعاد هذا الرجل ليخبرهم أنهم واهمون فيما يظنونه حقيقة يسخرون منه وينكلون به.

وهنا تتلخص الأزمة وتبرز معالمها وتحد حدودها وتبدو سافرة على طاولة الوطن بينهما؛ إذ يعمل السياسي على بقاء الناس في ذلك الكهف، أعينهم على الحائط، يؤمنون بيقين لا يساوره شك بتلك الأشباح المتراقصة عليه. أما المثقف فيظل في كل ذلك ثابت الخطى، يعلن موقفه من ذلك بكل وضوح لا يشوبه غبش، سافرًا كصبح خرج من ظلام الليل مناديًا: أخرجوا من الكهف.

المتنبي وبودلير: التعساء دائما



قديمًا قال المتنبي:
 ذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخو الجهالة في الشقاوة ينعمُ
وتلك ليست حالة عابرة وصفها المتنبي لأحدهم قابله وشهد حاله، لكنها تجربة حياتية متكررة أصبحت ما يشبه قاعدة إنسانية متوارثة ضمنيًا.

ولو قلّبت النظر حولك فلن تعدم إنسانًا بائسًا على درجة موفورة من العقل والرزانة والموهبة، لكنه دائمًا في آخر الصف الإنساني يكلّله الفشل والخيبة أحيانًا.

وذلك ليس عن عيب فيه، ولكن قدره أن سرت عليه طبيعة أزلية؛ أن الإنسان كلما كان أكثر عقلاً وحكمة نالت منه الكآبة والحزن والألم والفقر أحيانًا، وكأنها مقايضة من القدر أن كلما زيد في ذلك نقص من تلك، فيعيش ذلك الإنسان الأديب، أو المفكر، أو الفنان، يتلظى على ضوء جمرات متعددة مختلفة الألوان تُنضج إنسانيته ومبادئه الخاصة وتصقل فنه، وقد تخلق منه رجلاً تاريخيًا تستهدي به الأمم لحكمته التي صاغتها المأساة، وقد تجعل منه رجلاً تاريخيًا يستهدي بضوئه التعساء القادمون في رحم الغيب، ويجدون فيه السلوى والمأوى.

مع المتنبي

 

فالمتنبي الذي قال البيت السابق لم يكن عابثًا ولا يستعرض مخزونه اللغوي والبياني كما كان يفعل في صباه مع بدايات قرضه للشعر فيخطئ ويصيب، ولكن أغلب الظن أن ذلك البيت متأخر جدًا، وهو حصيلة حياة بكاملها يصلح أن يكون سيرة ذاتية لشاعر القرن الرابع بلا منازع.
والمتتبع لحياة المتنبي سيجد فيها الغموض المطبق، والهروب الدائم، ومحاولة إثبات شيء ما يشعر به ربما لا يكون فيه، ولكنه صوّره بعقله وآمن أنه خليق به.

ولعل أول خيوط المأساة التي شكلت طبيعة الرجل وشخصيته بعد بيئته الدامية التي ولد فيها هي تلك النفرة التي كانت بينه وبين أسرته وأهله، وتلك لا تُجهل؛ إذ أن الفنان أو الأديب أو المفكر أو صاحب الرأي أو «العاقل» كما نُعبّر عنهم هنا يصطدم بالأهل أول ما يصطدم، لذا فإن هذا الشقاق والنزاع والخلاف بينه وبين أسرته وإن كان لم يُذكر صراحة بطريقة إيجابية صريحة في شعره، إلا أن تجاهلها يثبتها، فمع أنه ملأ الدنيا مدحًا وذمًا إلا إنه لم يذكر أباه ولا أمه بشطر ولا كلمة ولم يفاخر بهم على الإطلاق، في الوقت الذي كان الشعراء يفاخرون بأنسابهم كجرير والفرزدق وغيرهم.

وذلك أرخى بظلاله على شعره وعلى موقفه بالناس، إذ نبتت الكراهية بصدره لهم، وأضمر الحقد تجاههم، ولعل ذلك ما يفسر حلّه وترحاله خلف الأمراء مادحًا كي ينال حظوة من السلطة ونصيبًا من الوجاهة ومنعة بالمال.

لكن المتنبي على ما وصل من أخباره فسيظل كما وصفه طه حسين «شخصية لم نستطع أن نفهمها ولا أن نحللها حتى الآن».

شارل بودلير

 

أفكار كثيرة قد تتفجر برأسك عند قراءة بودلير، ليس بودلير الشاعر فقط ولكن بودلير الإنسان أيضًا، ذلك العالم الصاخب المتلاطم بكل ما فيه من ألوان الكراهية والبغضاء والرضا والسخط والاغتراب والوحدة والألفة والانتماء.

فانتماؤه لفرنسا دفعه للخروج في ثورتها حاملاً بندقيته، ثم بعد مداهمة قصر التويليري مقر إقامة لويس فيليب، نادى بضرورة قتل الجنرال أوبيك زوج أمه.
لكن ذلك لا يعني ألا يلعن فرنسا ويحتقر شعبها حينًا من الدهر فيقول:
فرنسا تمر بمرحلة من السوقية، فباريس مركز وإشعاع الحماقة الكونية -الفرنسي حيوان أليف، مدجّن إلى حد أنه لا يجرؤ على عبور أي حاجز، انظروا إلى ذوقه في الأدب والفن، إنه حيوان من السلالة اللاتينية لا تزعجه القذارة في بيته، وفي الأدب هو آكل بُراز، إنه مولع بالغائط.
لذا لمّا حكمت المحكمة بمصادرة ديوانه (أزهار الشر) قال: «هذا الكتاب شهادة على قرفي وحقدي على جميع الأشياء».

ثم علاقته بأمه، تلك المرأة التي أحبها لدرجة الكراهية أو كرهها لدرجة العشق، وكان لزواجها بعد وفاة أبيه الأثر السيئ الأعمق في شخصيته حتى ضاق بالبيت وكرهه وارتحل.
ورزح في الدنيا ماجنا بما ورث عن والده، لكن أمه لم تتركه وما اختار لنفسه، فظلت تلاحقه بالدعاوى القضائية لتضعه تحت رقابة وصي وتكسبها حتى بعد وصوله سن الرشد القانوني، ليعيش بعدها كمتسول من الوصي الذي يمنحه مبلغًا من ميراثه كل عام لا يكفي، وتمر السنون وتُرفع الحصانة ويعود بودلير لحياته الأولى قبل فرض الوصاية، فترفع أمه قضية أخرى وتكسبها، ويضيق بالحياة فيقرر الانتحار، ويكتب ثروته لعشيقته جين لومييه في خطاب للسيد آنسيل الوصي القانوني، لكن ما يعنينا في هذا الخطاب هو سطر يوضح الكثير مما حل بعقل الرجل فيقول «أما أنا فليس لي سوى جين لومييه، فلتطلعها على مثالي المخيف، وكيف أن فوضى العقل والحياة أفضيا بي إلى يأس كئيب أو إلى فناء تام».

لكن المتغير والمختلف في شخصية بودلير أنه كان يدرك طبيعة نفسه وما يطرأ عليها، كان يرقبها ويتفهم ما تمر به، ربما لم يصارح نفسه يومًا ما أو حتى يظن أنه مريض نفسي، لكنه كان رقيبًا لا يجهل ما يحدث بداخله من تحول وتطور في الأفكار والسلوك والانطباعات عن نفسه وحياته ومجتمعه وزمنه، فيقول كاشفًا بعضًا من غموض شخصيته:
إنني أتمتع بإحدى الشخصيات المحظوظة التي تستمد البهجة من الكراهية، والتي تتمجد في الاحتقار، ومزاجي المولع -بصورة شيطانية- بالحماقة يجعلني أجد ملذات خاصة في تحريف البهتان، طاهرًا كما الورق، بسيطًا كالماء، مدفوعًا إلى الورع مثل مقدمة القربان، غير مؤذٍ كضحية، لن يزعجني أن أُدعى ماجنًا، سكيرًا، ملحدًا وقاتلاً.
إن حياة بودلير من الحيوات الإنسانية الثرية الجديرة بالتوقف والتأمل وقتًا أكثر من ذلك بكثير، ولو أردنا الوقوف عند محطات مأساته لطال بنا المقال، لكننا نوجزها في أمه بداية وفي الموقف السيئ المتبادل بينه وبين المجتمع الفرنسي، وحالة الاغتراب التي صاحبته دائمًا.

والغريب أنه على ما كان بينه وبين أمه من عداوات أثرت بنفس الشاعر الكبير إلا أنها كانت الصديقة الوحيدة التي كان يشاطرها حياته دائمًا عبر خطاباته المتوالية حاكيًا لها ما يحدث فيها، فيخبرها عن علاقاته النسائية أولاً بأول سواء كانت شرعية أو غير شرعية، وعن آرائه الأدبية، ونظرته للمجتمع والحياة.

وفي حياته عمومًا تمثلت المأساة بكامل وجوهها، فهي حياة كللتها الصعاب، ليست كالصعاب التي قد نتوقعها بداهة كالفقر وإن كان الفقر ملازمة أبدية كونية لكل ذي عقل أينما كان ووقتما وجد، ولكنها صعاب فكرية في المقام الأول.

نجيب الريحاني


لعل ابتسامة ارتسمت على شفتيك الآن وأنت تقرأ هذا الاسم، معك حق فنجيب الريحاني رائد من رواد الكوميديا والدراما والتراجيديا سواء في المسرح أو السينما،  وصدق من وصفه في وقته «لا تتمالك أن تراه حتى تضحك، ولو من تكشيرته ووجهه المكفهر».

أما أنا فلا، لست دائمًا أضحك من الريحاني إلا إذ تغافلت عن نظرة الحزن التي تفيض بها عيناه، وذاك الهم المتعلق بأشفاره.
فالحياة القاسية التي عاشها ظلت آثارها على ما يبدو تلازمه حتى بعدما خفّت وطأة الحياة.

إن حياة الريحاني شبيهة إلى حد ما بما ذكرناه من شأن بودلير سابقًا، فالصدام الأول بدأ في البيت؛ نشب عنه صراع مع الأم أدى إلى خروجه ورحيله متنقلاً بين محافظات مصر، أو مشردًا بالقاهرة.

كان يحب الفن إلى درجة التقديس، وللفن حفظ أشعار المتنبي ولزوميات أبي العلاء ومسرحيات شكسبير، وكان يقف بالبيت يردد بصوت جهوري حتى يضج البيت بمن فيه وأولهم أمه التي تخجل من التمثيل وتأنف أن يكون ابنها ممثلاً، فضلاً عن أنهم يعدّونه ليكون موظفًا.

لكن الريحاني أصر ومضى في طريق الفن منقادًا بخطامه ولا يحيد عنه، متحملاً في سبيله أن ينام على الرصيف، ويطوي الشوارع ليلاً هربًا من الجوع أو تسلية لبطنه الخاوية وجيبه الفارغ.

وفي حياة الريحاني لا يمكنك الجزم أن الريحاني التبس بالفن أم الفن الذي التبس به، وعلى مدار حياته ذات التعرّج والاستقامة، والارتفاع والانخفاض، والرخاء والتقشف، ربما يساورك أن في هذا الفن سحرًا جعله يتحمل كل تلك الفوضى، وهذا الألم وهذا التشرد، حتى أنه في نهاية المطاف ليعترف أنه «خرج بصديق واحد، صديق هو كل شيء، هو المحب المغرم الذي أبادل وإياه الوفاء الشديد والإخلاص الأكيد .. ذلك الصديق هو عملي».

حتى اللعنات لها طقوسها الخاصة وشريعتها المختلفة، يحدثنا صديقه المخلص الأستاذ بديع خيري «أن الريحاني كان يقدس فنه ويحترمه، وكان يكره الاتجاه الذي كان سائدًا في تلك الأيام والذي يدفع الممثل إلى تعاطي الخمر أو المكيفات قبل الصعود إلى خشبة المسرح على زعم أن الخمر تشجع الممثل على مواجهة الجماهير وتقوي أداءه، ولم يحدث في حياة الريحاني أن شرب كأسًا من الخمر قبل التمثيل، وكان من فرط احترامه لفنه يعتكف في غرفته بالمسرح قبيل التمثيل بنصف ساعة على الأقل، ولا يسمح لإنسان -مهما تكن الظروف- أن يعكر عليه عزلته المقدسة».

وتلك الحالة المقدسة لم تكن فقط قبيل التمثيل، ولا أثناء تأدية الدور بعمق ورصانة على المسرح، بل تمتد إلى ما بعد النهاية حيث ينزل الريحاني وكأنه راهب كان يلقي موعظة سواء أكانت موعظة كوميدية أو تراجيدية، ومن ثم فالواعظ لا يتقبل الإعجاب ولا الشكر على ما قدم.

يضيف بديع خيري أنه عندما يسيطر أداء الريحاني على مشاعره ويضطره لإبداء إعجابه بصديقه كان ينهاه ويشبه نفسه «بالعابد القانت الذي يسعى إلى التقرب إلى الله دون أن يراه، وأن الممثل الأصيل لا بد أن يسعى إلى الكمال المطلق، ويظل يسعى طوال حياته للوصول إلى هذا الكمال دون أن يراه أو يصل إليه».

وهذا الكلام يفصح جانبًا من شخصية الريحاني بجوار المؤلف والروائي والمترجم والسينمائي؛ ألا وهو الريحاني الفيلسوف، وهذا شأن الفنانين الحقيقيين الذين صهرتهم الحياة، وأُنضجوا في أتونها.

حتى بديع خيري نفسه كتب أكثر مسرحياته ضحكًا وهو على فراش المرض بالمشفى بين الشاش واليود بعد إجرائه عملية جراحية خطيرة.

لكن قبل أن نرحل عن الريحاني ومن ثمّ نختتم مقالنا، بقي لنا أن نذكر موقف والدته بعد نجاحه وشهرته وذيوع صيته، وهي التي كانت تقلل من شأنه وتحتقر التمثيل، يذكر الريحاني أن أمه كانت بإحدى عربات المترو عائدة إلى المنزل فسمعت بعض الركاب يتحدثون في بعض الشئون الفنية وورد خلالها اسم نجيب الريحاني، فاقتربت منهم وأرهفت لهم أذنها، وكانت دهشتها لمّا سمعت ثناءهم ومدحهم لنجيب الريحاني، فوقفت وسط العربة وقالت بأعلى صوتها: «الراجل اللي بتتكلموا عنه ده يبقى ابني، أنا والدة نجيب الريحاني الممثل».

فلأي مدى تصدق عبارة «أصحاب العقول في راحة»، إن العقل في الفنان مأساة ذاتية يشاركه فيها بعض من على شاكلته من الفنانين حول العالم، لكن الجمهور يجني ثمرة هذه المأساة إما ضحك أو حزن أو متعة من قراءة دون أن يعرف ما وراءها، ثم عطف عليهم العقل فلم يشأ أن يذهبهم في الدروب ممزقي الثياب شعثاء الرؤوس واللحى، فاختار لهم نوعًا من الفن ألبسهم إياه ليتعللوا به في الحياة ويستتروا به.

الأربعاء، 22 فبراير، 2017

رواية أغصان عارية




"أما شفتاكِ فهما في عيني كبريق القمر في ليلة شاتية غارت نجومها ، أو كزهرة تتفتح بأحضان الربيع ناثرةًعبيرَها ، وكأن بسمتها هي الدليل في الحياة أن لهموم العاشقين دواءً.
شفتان .. ما إن يتحركا مُؤْذِنتين بالكلام إلا رأيت لهما تمايُلًا كتمايُل الأزهار إذا داعبتها نسائم الأسحار ، ثم أتتبعُهما وأتلمح رونقهما ودقة حسنهما ، فلا أجد بين عينيي إلا خلافًا يمزق القلب ، أكان حديثها أجمل ، أم وهي تكتسي الصمت أنتظر ابتسامتها!
فأيُّ شعرٍ يصدق فيهما! وأيُّ كلماتٍ ترتقي لهذا الحُسن الساكن بينهما! وأيُّ عباراتٍ تُرفرف بمعانيهما الفاتنة في سماء الحب والعشق والجمال!
إنه السكوت فقط معلنًا العجز أمامهما.
ثم شفتاك في عيني أجمل وأجمل."

من روايتي  أغصان عارية الصادرة عن دار غراب للنشر والتوزيع بالقاهرة هذا العام.
متوافراة في:

القاهرة:
مكتبة مدبولي ميدان طلعت حرب
مكتبات الشروق(جميع الفروع)
مكتبة فكرة سيتي ستارز
عمر بوك ستور وسط البلد
مكتبة ألف وفروعها
مكتبة ليلى وسط البلد
مكتبة الحلم وسط البلد
مكتبة قلمي
مكتبة اقلام عربية
مبتدأ بوك ستور
شارع القاضي الفاضل - وسط القاهرة .
بجميع فروع مكتبات ديوان
الزمالك
159 شارع 26 يوليو 01222407084
177 شارع 26 يوليو 01228611066
هليوبليس
105 شارع ابو بكر الصديق 01226000168
مساكن الشيراتون 01098887328
المعادى
ا ش 254 01098887326
الاسكندريه
الشاطبى 01226000169
الغردقه
سنزو مول
01229500579
الدقي
مكتبة الأزهري شارع التحرير الدقي أمام كلية التربية .
المعادي
تويا بوك ستور
٣٥ شارع النصر
المنصورة:
مكتبة الشوبري - شارع جيهان أمام الجامعة
المحلة الكبري
مكتبة إدراك
شارع شكري القوتلي خلف البنك الاهلي المحلة
اسكندرية:
مكتبة فكرة سان ستيفانو
كتابك بوك كافية - شارع نجع حمادي
دمياط:
ألفابتكا - مقابل قصر الثقافة
طنطا :
المكتبة القومية
شبين الكوم :
مكتبة أنتيكا
أسيوط:
مكتبة ومضة
سوهاج
مكتبتي بوك ستور سوهاج - طهطا شارع 15 امام مجمع الانصارى
المملكة العربية السعودية
مكتبة جرير بفروعها بمدن المملكة الرياض - بريدة - عنيزة - الخبر - الدمام - الظهران - الأحساء - الجبيل - جدة - مكة المكرمة - الطائف - المدينة المنورة - ينبع - خميس مشيط - حائل - جازان وفروعها بدولة قطر - الكويت والإمارات العربية المتحدة .
الإمارات العربية المتحدة:
مكتبة زين المعاني
مملكة البحرين
المكتبة الوطنية وفروعها المنامة - المحرق
فلسطين :
مكتبة الهدى

الخميس، 20 أكتوبر، 2016

متي تنزل القطة عن صدر الفتاة؟

كان يعجبني صدر الفتاة بشدة ، ناهدا كان ، منطلق من بشرة بيضاء كالسحاب الصافي ، مكوّر كرومانتين مهرمنتين ، لكن ثمّة قطة بغيضة تستر ذلك السطر الرفيع الذي يقسم الرومانتين وتغطي إحدي الحلمتين النافرتين بذيلها ، اشتد غيظي على القطة التى تنظر لي بعينين صفراوين ساخرتين ، أردت أن أمد يدي فأقتلها لكن ذلك لم يكن بمستطاع.

غلت أعصابي وأنا انتظر نزولها ليبدو صدرها جليا لعيني الظامئتين الممتلئتين بالرغبة والشهوة ، وغلت ذكورتي كموتور سيارة سيات لعنتها الشمس فوق الدائري في يوليو.

شارفت على اليأس تماما ، لكن الأمل بزغ فجأة إذ رأيت أعلي الصورة "أقسم بالله لست ساحرة ولا دجالة أضغط رقم 2 وستنزل القطة".
وحتي إن كانت كاذبة ، وكانت حقيقتها ساحرة أو دجالة أو شيطانة من أصل الجحيم فلا يهم ، المهم هو ذلك الصدر الذي يُعد ثروة قومية ، فضغط على رقم اثنين بأقصي سرعة ، لكن شيئا لم يحدث ، وضغط ثانيا ، وثالثا لكن شيئا لم يحدث ، فضغط اثنين وعشرين ، ومائتين اثنين وعشرين ، وسطرا كاملا به رقم اثنين والنتيجة كانت مؤسفة.
اتهمت نيتي الفاسدة ، وبعد برهة من الزمن قلت أن الأمر به لغز ما ، لكن غبار الشهوة مسيطر على عقلي ولا أستطيع التفكير ، فلأجرب بدائل أخري.


فبعد اللايك وعشرات الكومنتس قمت بمشاركة البوست في كل جروبات النحنحة المثالية علي فيس بوك ، وطبعت الصورة ووزعتها على الناس في الطرقات ليكتبوا اثنين بالقلم على الورقة فقابلوني بالسب والشتم والضرب ، وبعد ذلك لم يحدث شئ وظلت القطة كما هي بنظرتها الساخرة نحوي.

مرّت ثلاثة أعوام وأنا أنتظر نزول القطة ، وقفت مساندا وبقوة حتي تنصرف ، تحدثت ما استطعت عن مشاريع وانجازات لم تثمر ، صدّقت بها وآمنت ، صليت بالحسين وماري جرجس كي تتحقق لكن شيئا لم يحدث.
وكل التعليقات تشير إلي أن القطة ستنزل وسنري كل شئ بعد سنة ونصف ، ربما سنتين ، فمرت ثلاثة ولازالت القطة تنظر نحوي بسخرية لاذعة  ، والوضع يتفاقم ويتأزم ، وأعصابي تغلي وتشيط ، وعيني لا زالتا ثابتتين على صدر الفتاه الجامد المستفز ، أحدثها بصوتي الداخلي متسائلا متي؟.
واسترجعت ما فات إن كنت كتبت اثنين بعد لايك ثم شير ، ودعوت الناس للإيمان بالصدر الجميل الذي ستنزل عنه القطة ووجدت مؤيدين ومعارضين فلم تنزل ، لم لم تنزل القطة وفي الصورة كافة الإمكانات الطبيعية والكونية التى تجعلنا ننظر لذاك الصدر الجميل.
ما السبب؟.

كان الموضوع قد انتشر في النار كالهشيم في كل مواقع التواصل الاجتماعي بعد الخراب الذي حل ، والشدائد التى استوطنت ، والخراء الذي ملأ الآفاق ، والكل يتساءل متي ، لكن أحدا لم يجب.

كل المشاريع لا تعبر عن الواقع ولا احتياجاتي ، الكذب أصبح سهلا ، الوهم يغلّف الخطاب الرسمي للفتاة صاحبة الأكونت.
"أقسم بالله" كانت تحلف بها لكي أصدقها وأضغط رقم 2 ، فكم كانت كاذبة وهي تدعوني للإيمان بها وبما سيحدث لو استجبت لوعودها.
هل كنت أحمق وصدقت فتاة كاذبة تتحدث من أكونت مزيف وسرت خلفها كالحمار الحصاوي دون روية أو تفكير؟.
وهل ستزل القطة يوما ما؟.
 

تعليقات فيس بوك