السبت، 11 مارس، 2017

كيف نفهم فوز ترامب

 ساسة بوست| 10 نوفمبر 2016


بعد انتهاء الحملتين الانتخابيتين للمرشحين كلينتون وترامب، ووصول الأخير إلى البيت الأبيض باعتباره رئيسًا جديدًا للولايات المتحدة الأمريكية، رغم تصريحاته العنيفة والعنصرية أحيانًا واللاأخلاقية أحيانًا أخرى، كان يجب أن نتوقف قليلًا لنمعن النظر ونتفحص كيف تجري العملية الانتخابية الأمريكية.

فالذي يتحدث باستعلاء عن المكسيكيين، وينوه بمنع المسلمين من التواجد في أمريكا ومنعهم من دخولها، وسبه للنساء واعتبار أنهن لسن أكثر من آلات للجنس فحسب، ثم مغازلة ابنته جنسيًّا، وإساءته للدول العربية والسخرية منها، كل ذلك كفيل أن ينفيه خارج الصناديق، لكن ما حدث خلاف ذلك، وهو يطرح سؤالًا مهما، هل تتفق الجمعيات النسوية هناك على أن المرأة لا دور لها في الحياة سوى امتاع الرجل فحسب كما يرى ترامب، تلك النظرة التي طالما صورت بها هوليود المرأة العربية في أفلامها، وهل ترى جماعات حقوق الإنسان ما يراه رئيس أمريكا من احتقار الأمريكان السود، وغلق الدولة في وجوه المسلمين؟

بالطبع سنجد تتبع الإجابات عملية مرهقة تستلزم وقتًا كثيرًا ويستأهل بحثًا على حدة أو مجموعة مقالات مطولة، لكن على أية حال فذلك يشير إلى أن اتجاهات الأمريكان ورؤاهم في اختيار الرئيس تختلف تمام الاختلاف عمّا نتوهمه من خلال ما تصدره لنا عدسات هوليود، تلك الاهتمامات التى تجعلهم يتغاضون عن عنصرية الرجل وحماقته وازدرائه للنساء والاستخفاف بالشركاء الدوليين في المنطقة العربية.

ثم هل يمكننا أن نشك في نزاهة المواطن الأمريكي، ونشك أيضا في العملية الديمقراطية الأمريكية ونتهمها بالنقص المعيب مهما أحرزت تقدما في مؤشر «فريدوم هاوس»؟

نعم، فبعد انتهاء العملية الأخيرة وجدنا الكثير من التابوهات الجامدة التي ينبهر بها أغلب الساسة العرب والإعلاميون تكسّرت بعنف على صعيد صلد، وأن الديمقراطية الأمريكية متأخرة عن الكثير من الديمقراطيات في العالم بشكل معيب هو الذي سمح بوصول أحمق أمريكا لسدة الحكم.

ومن هنا تبرز طبيعة الآلية التى تحكم العملية الانتخابية، فليس المواطن الأمريكي هو محور العملية، وليس لصوته القوة الفاعلة أو القيمة التى يمكن أن ينحني لها العالم احترامًا باعتباره تعبيرًا حادًّا عن الديمقراطية والتمتع بالحقوق السياسية، لكن العنصر الأهم هو سيادة منطق الرأسمالية للدولة وعدم المساس به، وبوضوح نجد أن الصوت الانتخابي الأمريكي يأتي عاملًا مساعدًا في العملية السياسية عمومًا والانتخاب الرئاسي خصوصًا بين عناصر المعادلة السياسية.

ولفهم هذه النقطة أكثر نعرض قول «كولن مويرز»: المدافعون والمعتذرون عن الإمبريالية الجديدة مهما قلنا عن الطبيعة الإيدلوجية لمشروعهم، منخرطون أيضا في جدل مع بعضهم بعضا حول التوازن المناسب بين الجوانب العسكرية والاقتصادية للإمبراطورية. فالمسألة المهمة من منظورهم هي العثور على أفضل إستراتيجية لتأمين المصالح الرأسمالية وطنيًّا وإقليميًّا.

وان كان ذلك كذلك، فمنطقيا أن يردف «مويرز» في موضع آخر: يجب احتواء القوى الديمقراطية بعناية بحيث لا تهدد حكم رأس المال.

والموضع هنا ليس قاصرًا على فوز ترامب، بل على العملية السياسية الأمريكية ككل، فإن منطق سيادة رأس المال أدى لعدة مظاهر في العملية السياسية هناك تقوض من قيم الديمقراطية بل ترمي بها رأسا في المحيط، وذلك على خلاف ادعاء أمريكا في خطابها لدول الشرق الأوسط أنها تدعو للديمقراطية، بل يكذّب ذلك فريد زكريا أن على أمريكا أن تصدق مع نفسها بأنها تدعو إلى ليبرالية دستورية.

فمن تلك المظاهر دخول البنوك والشركات صراحة في تمويل العمليات الانتخابية حسب مصالحها الخاصة، فإن كان المال السياسي يلعب دورًا محوريًّا في أي عملية سياسية في أي مكان في العالم ثم يصف العملية بعدم النزاهة، إلا أن الأمريكان يتعاملون مع العملية السياسية من منطق البيزنس، لذا لما قام ماكين بصحبة السيناتور راسل فاينجولد في 2001م بوضع قانون يحد من سيطرة رأس المال على الانتخابات الأمريكية قوبل بهجوم عنيف من قادة الحزب الجمهوري والمعروف في أمريكا على أنه حزب الأثرياء.

والمواطنون الأمريكان ليسوا على قدم المساواة في الحق الانتخابي، فالفقراء يصوتون بأعداد أقل من الأغنياء، والأقل تعليمًا يصوتون بأعداد أقل من الأكثر تعليمًا، والأمريكان من أصل أفريقي والهسبان يصوتون بأعداد أقل من القوقازيين.
كل هذه العراقيل أمام الممارسة السياسية أدت إلى مشاركة ما لا يزيد عن 130 مليون أمريكي من أصل ٣١٨٫٩ في إحصاء 2014.

إضافة إلى ذلك فالتصويت ليس إجباريا في الولايات المتحدة الأمريكية كمختلف الديمقراطيات حول العالم، ثم إن أيام الانتخابات لا تكون بالضرورة عطلة رسمية ليشارك المواطن بصوته.

هذه المظاهر وغيرها تؤدي بنا إلى نتيجة هامة، وهي أن الصوت الانتخابي ليس بالأهمية الكبيرة في الانتخابات الأمريكية، بل إن المؤسسين للولايات المتحدة ألزموا الأمريكان بوجود وصاية سياسية عليهم، حيث يكون الفاعل الأخير والأهم في اختيار رئيس البلاد ليس بالأكثرية الشعبية، بل أكثرية المجمع الانتخابي البالغ 538 ممثلا عن ولايات الدولة، ما يشبه إلى حد كبير «مجلس البولا» في اليونان القديمة والمعروف أيضا بمجلس الخمسمائة.

لذا لم يكن غريبًا أن تخفق كلينتون رغم تقدمها في كل استطلاعات الرأي، وليس غريبًا أن يفوز ترامب رغم حماقته وغبائه الشديدين، فكثيرا ما وصل رؤساء إلى البيت الأبيض بأصوات المجمع الانتخابي رغم خسارتهم في صناديق الاقتراع وكان بوش الابن آخرهم.

وربما كان الملياردير الرأسمالي ترامب هو الجدير بالحفاظ على هوية وأيدلوجية الدولة الرأسمالية في المرحلة الحالية التى يشاهد فيها العالم عودة بطيئة نسبيا للصراع القديم بين الاشتراكية والرأسمالية بين روسيا وأمريكا.

تعليقات فيس بوك